ابن عربي
344
مجموعه رسائل ابن عربي
منزل سر المضاهاة الإلهية والكونية إعلم وفقك اللّه يا بني وأسعدك بنيل هذه المقامات العلية أن صاحب هذا المنزل يطلعه اللّه على ما فيه من الأسرار من جهة الحق ومن جهة العالم على طريقة ما وذلك أن يعرفه الحق سبحانه وتعالى إذا أوجد أمرا ما هل قبل ذلك وجد ذلك الأمر فيه أو بعده أو معا وهل مضاهاة العالم له في نفسه على الكمال ومضاهاة الحضرة الذاتية الإلهية أو هل هو قابل لها عن حد معلوم فيكون فيه منهما بعض ويبقى له بعض سيدركها إن تمم المقام ثم إذا أدركها هل يدركها حتى لا يبقى له شيء في العالم ولا في الوجه الآخر أو يبقى له وإنما هو مستعد لقبول كل شيء على الدوام والاستمرار بيد أن الحقائق تعطي أن لا تكون فيه المضاهاة المطلقة على الاستيفاء لما فيها من الأضداد وهذا مقام سكت عنه شيوخنا غير أن لهم فيه تلويحات كالإمام أبي حامد الغالي ( رضي اللّه عنه ) كيمائه في وبعض كتبه وغيره فإنه صرح من هذا المقام بجزئيات منه ولم يقض فيه بأمر كلي يعتمد عليه ونحن إن شاء اللّه تعالى نعطي فيه أمرا كليا ونضرب عن ذكر الجزئيات مخافة التطويل إذ لا حاجة لنا بها هنا فنقول وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ إن كل باطل فهو عدم محض وكل وجود فهو حق فليس في الوجود باطل أصلا فإن قلت أن الكفر باطل والكذب كذلك وهو في الوجود فمسلم أن الحروف التي ينطق بها الكافر والكاذب في الوجود هي حق فإنها قد وجدت وأما المعاني التي تحت هذه الحروف فعدم وهي مثلا أن للّه شريكا تعالى سبحانه وأنه في جهة أو أن محمدا ( ص ) ليس بنبي فمعدوم بل هو نبي وأن اللّه تعالى لا شريك له وكذلك زيد قائم أوفى الدار وهو ليس كذلك فالقيام عدم والاستقرار في الدار عدم فإنه أخبر بما لم يكن ولم يحصل في الوجود فثبت بهذا أن الباطل عدم محض وإنما الناس حجبوا بالألفاظ الدالة على العدم فتخيلوا أن الألفاظ بحملهم هي نفس المعدوم وهذا كما تراه فتدبر هذا الفصل تر عجبا وإنما سقت هذا لما لي فيه من المنفعة في هذا الموضع فإذا تقرر هذا فاعلم أن المضاهاة على قسمين مضاهاة ظاهرة وباطنة فالظاهرة في الإنسان بما هو إنسان والباطنة إنما هي في الإنسان لا بما هو إنسان فقط بل بما هو نبي أو ولي وكما أنهم على مقامات يفضل بعضهم فيها على بعض كذلك بعض هذه المضافاة الباطنة يفضل بعضهم فيها على بعض على حسب مقام ما يعطيه مقام ذلك النبي أو الولي فافهم ما رمزناه لك وقد أشبعنا القول في هذه المضاهاة الكونية فلا تصح على الإطلاق